علي بن محمد البغدادي الماوردي
160
أدب الدنيا والدين
الموادّ فقد يتفرّع عن أسباب إلهية وهو من نتائج العدل المقترن بها . ( وأما القاعدة السادسة ) فهي أمل فسيح يبعث على اقتناء ما يقصر العمر عن استيعابه ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه ولولا أن الثاني يرتفق « 1 » بما أنشأه الأوّل حتى يصير به مستغنيا لافتقر أهل كل عصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأراضي الحرث وفي ذلك من الإعواز « 2 » وتعذر الإمكان ما لا خفاء به فلذلك ما أرفق اللّه تعالى خلقه من اتساع الآمال حتى عمر به الدنيا فتم صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن فيتم الثاني ما أبقاه الأوّل من عمارتها ويرم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها « 3 » لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة وأمورها على ممرّ الدهور منتظمة ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه ولا تعدّى ضرورة وقته ولكانت تنتقل إلى من بعده خرابا لا يجد فيها بلغة « 4 » ولا يدرك منها حاجة ثم تنتقل إلى من بعد بأسوإ من ذلك حالا حتى لا ينمى بها نبت ولا يمكن فيها لبث . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الأمل رحمة من اللّه لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا » . وقال الشاعر : وللنفوس وإن كانت على وجل * من المنية آمال تقوّيها فالصبر يبسطها والدهر يقبضها * والنفس تنشرها والموت يطويها وأما حال الأمل في أمر الآخرة فهو من أقوى الأسباب في الغفلة عنها وقلة الاستعداد لها وقد أفصح لبيد « 5 » بن ربيعة مع أعرابيته بما تبين به حال الآمل في الأمرين فقال :
--> ( 1 ) يرتفق : ينتفع . ( 2 ) الإعواز : الإشكال . ( 3 ) شعثها : ما تفرق وانتشر . ( 4 ) بلغة : على وزن غرفة ، هو ما يتبلغ به ويتكفف به من العيش . ( 5 ) لبيد : بن ربيعة ، الصحابي ، وكان شريفا في الجاهلية والاسلام قيل : لم يقل شعرا بعد الإسلام إلا قوله : الحمد للّه الذي لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الاسلام سربالا ولما طلب المغيرة إليه أن يقول الشعر قال : أبدلني اللّه بذلك سورة البقرة وآل عمران ، فكتب المغيرة بذلك إلى عمر ، فزاد في عطائه خمسمائة دينار .